النقاشات الصيفية & # 187 ؛ منهج تحصيلي & # 187 ؛ ما أعجب هذا الإنسان!

ما أعجب هذا الإنسان!

  • ما أعجب هذا الإنسان!

    إنه يعيش في عالم محدود، بينما يحمل في رأسه عقلًا لا يعرف الحدود. فأحلامه أوسع من أيامه، وآماله أطول من عمره، وخياله يطوف في آفاق يعجز جسده عن بلوغها.

    تأمل السماء في ليلة صافية، وسترى نجومًا يزين ضوؤها الأفق، مع أن كثيرًا منها قد انطفأ منذ ملايين السنين، وما زال نوره يشق طريقه إلينا. فكأن الكون كله يقول لنا: ليس كل ما تراه العين هو الحقيقة الكاملة، وليس كل ما غاب عن بصرك قد عدم وجوده.

    فكيف يستكثر الإنسان بعد ذلك أن يحفظ الله أعمال عباده، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا؟

    إذا كانت الأرض تحتفظ بآثار من مروا عليها، والعقول تختزن الذكريات عشرات السنين، والكون يحمل إلينا ضوءًا سافر ملايين السنين، فكيف يُستبعد أن تكون أعمال الإنسان كلها محفوظة عند رب العالمين؟

    ثم انظر إلى نفسك.

    هذه الروح التي تسكن جسدك، من رآها؟ ومن أمسك بها؟ ومن عرف حقيقتها؟

    ومع ذلك، لا يشك عاقل في وجودها؛ لأنها سر الحياة، وبها تتحرك الجوارح، وتنطق الألسنة، وتنبض القلوب، ويقوم الإنسان إنسانًا.

    فإذا كنا نؤمن بوجود روح لم تقع عليها أعيننا، فلماذا نستغرب أن يبعث الله الخلق بعد موتهم، أو أن يحصي عليهم ما عملوا، وهو القائل: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾؟

    لعل المرء في الجاهلية، وقد حُجب عنه العلم، يُعذر في بعض ما أنكر وجهل.

    أما إنسان هذا العصر، الذي يرى عجائب الكون، ويشهد كيف تحفظ الأجهزة الصغيرة صور السنين وأصوات البشر، وكيف تنتقل المعلومات في لحظات إلى أقصى الأرض، ثم يستكثر على خالق الكون أن يحفظ أعمال عباده أو يبعثهم بعد موتهم... فليس ذلك نابعًا من نقص الدليل، بل من إعراض القلب عن التأمل.

    إن كل اكتشاف جديد لا يضيق دائرة الإيمان، بل يوسعها، وكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد يقينًا بأن قدرة الله أعظم من أن تُقاس بما اعتاده البشر، وأن ما يعجز عنه العقل البشري لا يعجز عنه رب السموات والأرض.

    فالعقل هبة عظيمة، لكنه يبلغ كماله حين يقوده إلى الإيمان، لا حين يجعله حاكمًا على قدرة الخالق.

    وصدق الله العظيم: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق