في القرآن آيات لا تمر على العقل مرورا عابرا، لأنها لا تخاطب الوجدان وحده، ولا تقف عند حدود الموعظة، بل تفتح في النفس مختبرا كونيا، وتضع الإنسان أمام ظاهرة يراها كل يوم ثم لا يراها.
ومن هذه الآيات قول الله تعالى:
﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾
هنا لا يرد القرآن على سؤال البعث بخطاب مجرد فقط، بل يأخذ السائل من مقبرة العظام إلى غابة الشجر، ومن صورة الموت إلى سر الطاقة، ومن الرماد البارد إلى اللهب الخارج من العود الأخضر.
والسؤال في ظاهره بسيط:
من يحيي العظام وهي رميم؟
لكنه في عمقه ليس سؤالا عن العظام وحدها. إنه سؤال الإنسان حين يقف أمام النهاية، أمام الجسد حين يتفتت، أمام القبر حين يصير الوجود صمتا، أمام المادة حين تفقد صورتها التي عرفناها. كأن المنكر يقول: إذا تكسرت البنية، وتبعثرت الأجزاء، واختلط الإنسان بالتراب، فأين الطريق إلى العودة؟
والقرآن لا يهرب من السؤال. بل يضعه في مكانه الصحيح. المشكلة ليست في العظام، بل في الذاكرة.
﴿ونسي خلقه﴾.
لقد نسي الإنسان أنه كان قبل ذلك شيئا لا يكاد يذكر. نسي أنه لم يبدأ عظما ولا لحما ولا صوتا ولا خصومة ولا فلسفة. بدأ من نطفة، من قطرة صغيرة تحمل شفرات الحياة، ثم صار كيانا يمشي ويفكر ويخاصم خالقه في إمكان بعثه.
ومن هنا تأتي الحجة الأولى: الذي أنشأها أول مرة قادر على إعادتها.
فالإنشاء الأول أعجب من الإعادة في قياس العقل البشري. من لم يكن شيئا فصار إنسانا، كيف يستبعد أن يعود بعد أن كان؟ ومن رأى البناء يقوم من خلية أولى، كيف يجعل تفكك البناء دليلا على استحالة إقامته مرة أخرى؟
لكن القرآن لا يكتفي بهذا. ينتقل فجأة إلى مشهد آخر:
﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾.
وهنا تأتي العبقرية البيانية والعلمية في الربط.
ما علاقة العظام الرميم بالشجر الأخضر؟
وما علاقة البعث بالنار؟
وما علاقة المقبرة بالغابة؟
العلاقة أن القرآن يضرب مثالا على إخراج الشيء من ضده في ظاهر الحس. فالشجر الأخضر في عين الإنسان رمز الرطوبة والحياة والماء واللين. والنار في عين الإنسان رمز الجفاف والحرارة والاشتعال. فكيف تخرج النار من الأخضر؟ كيف يختبئ اللهب في العود الرطب؟ كيف تحمل الحياة في داخلها مادة الاحتراق؟
إنها ليست مجرد صورة بدوية عن قدح النار من بعض الأشجار. إنها أوسع من ذلك. إنها إشارة إلى أن الكون كله قائم على أسرار كامنة لا تراها العين لأول وهلة. فداخل الشجر الأخضر طاقة مخزونة. وداخل الخشب تاريخ طويل من الشمس والهواء والماء. الورقة الخضراء كانت تصنع غذاءها من الضوء، وتختزن في نسيجها أثرا من طاقة الشمس. فإذا جف العود، ثم مسته الشرارة، خرجت النار كأنها ذاكرة الشمس تعود من داخل النبات.
فالشجر الأخضر ليس نقيض النار كما يتوهم الحس الساذج، بل هو خزانها المؤجل.
والعظم الرميم ليس نقيض الحياة كما يتوهم المنكر، بل هو مادة واقعة تحت علم الله وقدرته.
هنا يصبح الربط مذهلا:
كما أن النار كامنة في الشجر الأخضر، فالحياة ليست مستحيلة في العظام الرميم إذا شاء الله.
وكما أن الإنسان يرى الشجرة باردة خضراء ثم يوقد منها نارا، فعليه ألا يجعل صورة الموت الباردة دليلا على استحالة الإحياء.
إن القرآن يربينا على ألا نعبد الانطباع الأول.
فالانطباع الأول يقول: العظم انتهى.
والانطباع الأول يقول: الشجر الأخضر لا نار فيه.
لكن الحقيقة أعمق من الانطباع. فالعين ترى السطح، أما العلم فيكشف القانون، والإيمان يرد القانون إلى واضع القانون.
الآية لا تقول للإنسان: ألغ عقلك.
بل تقول له: استعمل عقلك إلى النهاية.
انظر إلى بدايتك.
وانظر إلى الشجر.
وانظر إلى النار.
وانظر إلى المادة حين تتحول.
وانظر إلى الطاقة حين تختبئ ثم تظهر.
ثم اسأل نفسك: هل المشكلة في إمكان البعث، أم في ضيق تصورك عن القدرة؟
إن الإنسان حين ينكر البعث لأنه رأى العظام رميما يشبه من ينكر النار لأنه رأى الشجر أخضر. كلاهما حكم على الحقيقة من ظاهرها. وكلاهما جعل اللحظة التي يراها بعينه نهاية العلم كله.
وهذه واحدة من أعمق رسائل الآية:
العالم ليس كما يبدو للعين الكسولة.
ففي النطفة إنسان ينتظر.
وفي العظم حياة مؤجلة بأمر الله.
وفي الشجر الأخضر نار نائمة.
وفي التراب قصة لم تنته.
وفي الموت باب لا يعرف سره إلا الذي بدأ الخلق أول مرة.
ثم تأتي الجملة الحاسمة:
﴿وهو بكل خلق عليم﴾.
ليست القدرة وحدها هي التي تجيب. العلم أيضا يجيب. فالذي سيعيد الإنسان ليس قوة عمياء تجمع الأجزاء كيفما اتفق، بل علم مطلق يعرف كل ذرة، وكل أثر، وكل صورة، وكل سر، وكل تاريخ للجسد والروح. إن الخلق ليس ضائعا في ذاكرة الكون حتى يحتاج إلى من يبحث عنه. هو حاضر في علم الله، محاط به، مكشوف له، لا يختلط عليه جسد بجسد، ولا ذرة بذرة، ولا إنسان بإنسان.
ولهذا كان جواب القرآن أوسع من السؤال.
السائل قال: من يحيي العظام؟
فجاء الجواب: الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم، وهو الذي يخرج النار من الشجر الأخضر.
أي أن المسألة ليست عظاما فقط.
إنها قضية الوجود كله.
من النطفة إلى الإنسان.
ومن الشجر إلى النار.
ومن الرميم إلى البعث.
ومن الغيب إلى اليقين.
ولو تأمل الإنسان هذه الآيات لوجد أنها لا تخاطب خوفه من الموت فحسب، بل تعالج غروره أيضا. فالإنسان الذي كان نطفة صار خصيما مبينا. صار يجادل في ربه، ويضرب الأمثال، وينسى أنه هو نفسه المثال الأكبر. نسي أنه الدليل الذي يمشي على قدمين. نسي أن كل خلية في جسده وثيقة ضد إنكاره. نسي أن وجوده الشخصي هو أول برهان على أن العدم ليس أقوى من أمر الله.
إن هذه الآيات تضع الإنسان أمام مرآتين:
مرآة العظام، ليرى نهايته إذا انفصل عن الوحي.
ومرآة الشجر الأخضر، ليرى أن ما يظنه مستحيلا قد يكون كامنا في قلب الممكن.
فإذا سأل: من يحيي العظام؟
جاءه الجواب من جسده أولا: الذي خلقك من نطفة.
ومن الكون ثانيا: الذي جعل من الشجر الأخضر نارا.
ومن الوحي ثالثا: الذي قال للشيء كن فيكون.
وهكذا يلتقي العلم والأدب والإيمان في مشهد واحد:
عود أخضر يحمل نارا.
وعظم رميم ينتظر حياة.
ونطفة صغيرة تخرج منها خصومة الإنسان.
ورب عليم يحيط بالبدء والإعادة.
فلا تقل: كيف تعود العظام؟
ولكن قل: كيف نسيت أول مرة؟
ولا تقل: أين الحياة في الرميم؟
ولكن انظر أين النار في الشجر الأخضر.
هناك، في قلب الشيء الذي تظنه بعيدا عن الاشتعال، يريك الله أن القدرة لا تقف عند ظاهر الأشياء.
وهناك، عند حدود المقبرة، يفتح القرآن نافذة على القيامة.
فالعظام الرميم ليست نهاية القصة.
والشجر الأخضر ليس مجرد ظل وماء.
إنهما معا درسان في السر الإلهي:
أن الله يخبئ في الأشياء ما تكذبه العين، ثم يظهره حين يشاء، ليعلم الإنسان أن الموت ليس غياب القدرة، وأن الحياة ليست ملكا للمادة، وأن الذي أخرج النار من الخضرة قادر أن يخرج الإنسان من التراب.
التعليقات