النقاشات الصيفية & # 187 ؛ أخرى & # 187 ؛ ثمن الوحدة المؤجل: أشياء لا يعرف الرجل قيمتها إلا متأخرا

ثمن الوحدة المؤجل: أشياء لا يعرف الرجل قيمتها إلا متأخرا

  • هناك انسان يمشي في ميدان الحياة حاملا حلما صغيرا لا يشبه احلام الملوك ولا طموحات الفاتحين وكان يريد بيتا مكانا يعود اليه اذا تعب وبابا يغلقه على اسرته بعيدا عن ضجيج العالم وجدرانا لا تحبس جسده، بل تحمي قلبه فالانسان منذ اول يوم لم يبحث عن الحجارة، بل بحث عن السكينة. لم يكن البيت في قصته سقفا فقط، كان وعدا بالاستقرار، ومكانا يولد فيه الحب، ويكبر فيه الطفل، وتبدأ فيه الحكايات ولكن حين يصبح البيت بعيدا، يبدأ شيء عميق بالتأخر فلا يتأخر البناء وحده

    يتأخر الزواج ويتأخر صوت الطفل وتتأخر الضحكة الاولى في البيت الذي لم يفتح بابه بعد فالطفل لا يأتي الى الاحلام المعلقة في الهواء، بل يحتاج الى حضن آمن. والاسرة لا تنمو في ارض تهتز تحت الخوف من الغد وهنا يظهر سر قديم في الانسان في ان حاجته الى الامان ليست ضعفا، بل فطرة وضعها الله فيه فالقلوب التي تركض خلف البيوت والارزاق والمستقبل هي في حقيقتها تبحث عن كلمة واحدة الطمأنينة.

    وفي وسط هذا الركض الطويل يأتي النداء العظيم ﴿واذا سألك عبادي عني فاني قريب﴾ كأن الله يخاطب الانسان المتعب فأنت تبحث عن مأوى لجسدك، فلا تنس مأوى روحك وأنت تريد بيتا يحميك من حر الشمس وبرد الليل، لكن قلبك ايضا يحتاج الى سقف من الرحمة يحميه من الخوف واليأس ومن هنا تبدأ رحلة الانسان فهو يبني ويعمل ويخطط ويفرح حين يمتلك ويحزن حين تتعثر الاحلام ويرى الاسعار ترتفع، والسنوات تمر، والاحلام تتأجل وقد يظن ان قيمته تقاس بما ملك، وان مستقبله انتهى بما فقد ثم يأتي النداء مرة اخرى يا عبادي ليذكره انه اكبر من ظروفه. ان الانسان ليس رقما في سوق العقار، ولا ملفا في البنوك، ولا عبئا في معادلات الاقتصاد وانه روح خلقها الله لتبني وتعمر وتحيا ولهذا فالمجتمعات التي تنسى قيمة البيت لا تخسر مباني فقط بل تخسر قصصا لم تبدأ واطفالا لم يولدوا واسرا كانت ستملأ الارض حياة فالمدينة الحقيقية لا تصنعها الابراج المرتفعة، بل النوافذ التي يخرج منها صوت الاطفال، والبيوت التي يعود اليها الآباء مطمئنين.

    وحين تثقل الحياة على الانسان، ويشعر انه تأخر كثيرا، يأتي اعظم نداء للمنكسرين ﴿قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم  لا  تقنطوا من رحمة الله كأن المعنى اوسع من الذنب وحده فلا تيأس من نفسك ولا تيأس من غدك ولا تجعل التأخر نهاية الحكاية فكم من باب ظننته اغلق وكان الله يعد خلفه بابا اعظم ويمضي العمر وتبقى البيوت التي بنيناها والاموال التي جمعناها والاحلام التي حققناها او لم نحققها ومن ثم يأتي اليوم الذي يترك فيه الانسان كل بيت بناه في الارض، ليبحث عن البيت الاخير وهناك لا يسأل عن مساحة الدار ولا قيمة الارض ولا ارتفاع الجدران بل عن القلب الذي حمله داخل تلك الجدران  فادخلي في عبادي ۝ وادخلي جنتي

    وهنا يكتمل معنى السكن فالانسان بدأ حياته يبحث عن بيت يؤويه وانتهت رحلته عند رب يمنحه دارا لا خوف فيها ولا رحيل فالبيت الاول يبني الاسرة والبيت الاخير ثمرة الرحلة وبينهما يعيش الانسان كل حكايته:

    ان يعمر الارض بيده ولا ينسى من خلق قلبه

التعليقات

٠ تعليقات
  • ٪ s معجب بهذا